نبوءات ما بعد الامتحان | سماسرة الصدفة وصناعة الوهم الأكاديمي
ما إن يُسدل الستار على الامتحان الوطني حتى تنبثق من أقبية الشبكات الاجتماعية طائفة عجيبة من المتنبئين التربويين، قومٌ لا يعرفهم التاريخ العلمي، ولا تعترف بهم مناهج الإحصاء، لكنهم يملكون قدرة خارقة على اقتفاء أثر الأسئلة بعد وقوعها، ثم الادعاء بأنهم كانوا على موعد معها منذ فجر الخليقة.
هؤلاء ليسوا أساتذة بالمعنى المتعارف عليه، بل سماسرة الاحتمال ودلّالو المصادفة. يقتاتون على فتات التشابه بين ما لقّنوه وما ورد في الامتحان، فإذا وافق سطرٌ سطراً، أو عانق رمزٌ رمزاً، أقاموا المآتم الاحتفالية وأشعلوا أبواق النصر، كأنهم انتزعوا أسرار اللجنة الوطنية من خزائنها المحكمة بعد معركة استخباراتية ضروس.
وما أعجب شأنهم! قبل الامتحان يتحدثون بعبارات مطاطية تتسع لكل شيء: راجعوا الدوال فقد تأتي، والهندسة مهمة، والمتتاليات لا تُهمل، والتكاملات لها وزنها. فإذا ظهر الامتحان، انقلبت تلك العموميات الكونية إلى نبوءات دقيقة، وصارت الجمل الفضفاضة نصوصاً مقدسة يُستشهد بها على صدق الكشف وعظمة الإلهام.
ولو سألت أحدهم: كيف توقعت السؤال؟ لأخرج لك صورة ضبابية منشورة قبل أربعة أشهر، فيها عشرات التمارين ومئات الأفكار وآلاف الاحتمالات، ثم أشار بإصبعه المرتعش إلى زاوية منسية قائلاً: "أرأيت؟ هنا كنت أقصد هذا السؤال تحديداً!" في مشهد لا يختلف كثيراً عن رجل أطلق ألف سهم في الصحراء ثم رسم الهدف حول السهم الذي أصاب حجراً بالصدفة.
أما أعجب الأعاجيب، فهو أن عدد الذين يدّعون إصابة الامتحان يفوق عدد من وضعوه أصلاً. حتى ليخال المرء أن اللجنة الوطنية لم تكن سوى ناسخة متواضعة لمجهودات هؤلاء العباقرة المنتشرين بين الصفحات الزرقاء والمجموعات الصفراء والقنوات المجهولة.
ثم تراهم يتبادلون شهادات البطولة فيما بينهم، فيبارك بعضهم لبعض هذا الفتح المبين: "لقد أصبت التمرين الثالث"، "وأنا توقعت السؤال الرابع"، "وأنا أشرت إلى الفكرة العامة للسؤال الثاني". ولو جُمعت هذه الادعاءات في سجل واحد لاتضح أن الامتحان بأكمله لم يكن سوى إعادة طباعة مجانية لدروسهم المباركة.
غير أن المضحك المبكي في الأمر أن التلميذ المجتهد، الذي أفنى عاماً كاملاً بين الكتب والكراسات، يعلم في قرارة نفسه أن النجاح لم يكن ثمرة نبوءة ولا بركة منشور، بل حصيلة تعب وسهر ومثابرة. أما أولئك الشناقة التربويون، فإنهم لا يتاجرون في المعرفة بقدر ما يتاجرون في الوهم؛ يبيعون بأثمان باهظة سلعة اسمها "لقد قلنا لكم"، وهي سلعة لا تُصنع إلا بعد ظهور النتائج.
وهكذا ينقضي الموسم، وتذبل المنشورات، وتخفت الضوضاء، لكن هؤلاء يظلون أوفياء لعقيدتهم الراسخة: إذا أخطأوا صمتوا، وإذا أصابوا مصادفة أقاموا لها مهرجاناً خطابياً يمتد حتى الموسم المقبل، حيث يُبعث الوهم من رماده، وتُعاد الأسطورة ذاتها في ثوب جديد، وكأن التاريخ الأكاديمي لم يكن سوى سلسلة متصلة من المصادفات التي أُعيد تسويقها على أنها معجزات.

Comments