في مديح القطيع

لا شيء يُريح الإنسان أكثر من أن يتوقف عن التفكير. فالتفكير مسؤولية، أما الطاعة فوسادةٌ وثيرَة. لذلك لم يكن القطيع يومًا حادثةً بيولوجية، بل كان أعظم اختراعٍ اجتماعي؛ فيه يُعفى الفرد من عبء العقل، ويُمنح شرفَ التشابه.

يقول الناس إنهم يحبون الحرية، لكنهم لا يريدون منها إلا حرية اختيار القفص. فإذا فُتح الباب، ارتبكوا، لأن الهواء الطلق لا يقدّم تعليمات.

لقد صار الرأي فضيلةً إذا ردده الجميع، وخطيئةً إذا وُلد في رأسٍ واحد. وما أكثر الذين يكرهون الكذب، لكنهم يعشقون الأكاذيب التي يشاركهم فيها الآخرون. فالكذبة الجماعية تُسمى "إجماعًا"، أما الحقيقة المنفردة فتُسمى "شذوذًا".

إن المجتمع لا يصنع الأخلاق دائمًا، بل يصنع العادات، ثم يمنحها لقب الأخلاق. وما إن تتكرر العادة حتى تُقدَّس، ويصبح السؤال عنها نوعًا من الوقاحة. وهكذا تتحول القيود، مع مرور الزمن، إلى زينة، ويصبح السجين أشد المدافعين عن سجنه.

أخطر الناس ليس المستبد، بل من أقنع المقهور أن قيوده دليلُ فضيلة. فحين يحب الإنسان أغلاله، لا يعود السجّان بحاجة إلى مفاتيح.

إن الإنسان الحديث لا يهرب من الحقيقة لأنها مؤلمة، بل لأنها تُلزمه بأن يغيّر نفسه. ولذلك يفضّل أن يغيّر تعريف الحقيقة بدلًا من أن يغيّر حياته.

كل عصرٍ يصنع أصنامه، ثم يسخر من أصنام من سبقه. الفرق الوحيد أن الأصنام القديمة كانت من حجر، أما أصنام اليوم فمن أرقام، وشعارات، وصور، ومتابعين. لقد استبدل الإنسان المعبد بالشاشة، والكاهن بالخوارزمية، والاعتراف بزرّ الإعجاب.

وما أكثر الذين يرفعون شعار "كن نفسك"، وهم لا يحتملون رؤية إنسانٍ يختلف عنهم حقًا. إنهم يريدون نسخةً محسنة من القطيع، لا فردًا حرًّا.

إن الحقيقة لا تسير مع الجموع، بل تعبر بينها غريبةً، تتلقى السخرية قبل الاحترام، والرفض قبل الفهم. ولذلك كان التاريخ يصفق للأحياء بعد موتهم، لأنه لا يجرؤ على التصفيق لهم وهم أحياء.

لا تخف من أن تكون وحيدًا؛ فالقمم أماكن قليلة السكان. ولكن احذر أن يكون سبب وحدتك هو الغرور، لا الشجاعة؛ فليس كل من خالف الناس حكيمًا، كما أن موافقة الناس ليست دليلًا على الخطأ. القيمة ليست في الاختلاف لذاته، بل في صدق النظر، ولو وافقك العالم أو خالفك.

إن الإنسان لا يُقاس بعدد من يسيرون خلفه، ولا بعدد من يصفقون له، بل بعدد الأوهام التي امتلك شجاعة هدمها في نفسه أولًا. فالثورة التي لا تبدأ داخل العقل ليست إلا تبديلًا لأسماء السادة.

Comments