في جمهورية اليقين... أو كيف أصبح الجهل أكثر تنظيمًا من المعرفة
في جمهورية اليقين... أو كيف أصبح الجهل أكثر تنظيمًا من المعرفة
ليس أخطر ما يهدد الحضارات أن ينضب النفط، أو أن تتراجع العملات، أو أن تُهزم الجيوش؛ فكل ذلك قابل للتعويض. أما الكارثة التي لا تُرى إلا بعد فوات الأوان، فهي أن يفقد المجتمع احترامه لمنهج المعرفة، وأن يستبدل سلطان البرهان بسلطان الانطباع، وسلطة الدليل بسلطة الضجيج.
إن الحضارات لا تسقط حين تخسر معركة، وإنما حين تصبح عاجزة عن التمييز بين العالم والمشعوذ، بين المختبر والمنبر، بين البرهان والخطابة. فمنذ تلك اللحظة، يبدأ التاريخ في العدّ التنازلي، ولو كانت الأبراج تلامس السحاب.
لقد كانت البشرية، عبر قرون طويلة، تصارع الطبيعة بالسؤال. لم يكن السؤال ضعفًا، بل كان إعلانًا بأن العقل يرفض الاستسلام للمألوف. أما اليوم، فقد انقلب المشهد؛ لم يعد الإنسان يخشى الجهل، بل صار يخشى السؤال نفسه، لأن السؤال يهدم الطمأنينة، والطمأنينة سلعةٌ ثمينة في أسواق المجتمعات الكسولة.
إن العقل العلمي لا يبدأ باليقين، بل يبدأ بالشك؛ لكنه ليس شك العاجز، بل شك المنهجي الذي يعرف أن كل حقيقة لا تُختبر، تتحول إلى عقيدة، وكل عقيدة تُمنع من النقد تتحول إلى صنم، وكل صنم يُعبد، مهما كان اسمه، يصبح عدوًا للعقل.
ويا للمفارقة! إن المجتمع الذي يصفق للطائرة وهي تشق السماء، ويُعجب بالقمر الصناعي وهو يطوف حول الأرض، ويعالج أمراضه بأدوية صُنعت بعد آلاف التجارب، قد يسخر في الوقت نفسه من المنهج الذي صنع كل ذلك. إنه يريد ثمار العلم، لكنه يضيق بأخلاق العلم؛ يريد النتائج، لكنه يحتقر الطريق الذي أوصل إليها.
لقد اكتشف نيوتن قانون الجاذبية، لكن المجتمع اكتشف قانونًا أشد قسوة: كلما ارتفع الإنسان بفكره، تكاثرت الأيدي التي تحاول جذبه إلى الأسفل.
العجيب أن الطبيعة لا تعرف الديمقراطية. الإلكترون لا يغير شحنته لأن الأغلبية ترغب في ذلك، وسرعة الضوء لا تتفاوض مع البرلمانات، وثابت بلانك لا يقرأ التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي. الكون لا يعترف إلا بلغة واحدة: لغة العلاقات الرياضية التي لا تبالي بأهوائنا.
لكن الإنسان، منذ أن اخترع الرأي، ظن أن بإمكانه التفاوض مع الواقع. فإذا عجز عن فهم ظاهرة، لم يسع إلى دراستها، بل أعاد تعريفها بما يوافق هواه. وهكذا أصبح الجهل أكثر راحة من المعرفة، لأن المعرفة تُلزم صاحبها بالمراجعة، أما الجهل فلا يطالبه إلا بالثقة.
إن العلم ليس تراكمًا للمعلومات، بل هو ثورةٌ دائمة على الوهم. كل نظرية عظيمة تحمل في داخلها بذرة فنائها؛ لأنها تعرف أن قيمتها لا تكمن في خلودها، بل في قدرتها على الصمود أمام النقد. أما الأيديولوجيات، فإنها تعيش على النقيض تمامًا؛ فهي لا تطلب البرهان، بل الولاء.
ومن هنا يبدأ الانقسام العميق بين العقلين: عقلٌ يسأل: "كيف أعرف أنني مخطئ؟"، وعقلٌ آخر يسأل: "كيف أثبت أنني كنت محقًا منذ البداية؟". الأول يصنع الفيزياء، والثاني يصنع الجدل.
لقد علمتنا البيولوجيا أن الكائن الذي يعجز عن التكيف ينقرض، لكن المجتمعات أضافت قانونًا جديدًا: الأفكار أيضًا تنقرض إذا توقفت عن نقد نفسها. إن الحضارة ليست مباني ولا طرقًا ولا مصانع، بل هي قدرة مجتمع على تصحيح أخطائه قبل أن تتحول إلى مصائر.
ولعل أعظم ما قدمه المنهج العلمي للإنسانية ليس الكهرباء ولا الإنترنت ولا اللقاحات، وإنما فضيلةٌ أخلاقية نادرة: التواضع المعرفي. فالعالم الحقيقي لا يقول: "لقد وصلت." بل يقول: "لقد اقتربت." ولا يعلن امتلاك الحقيقة، بل يعلن امتلاك أفضل تفسير مؤقت لها.
أما المجتمع، فإنه يحب النهايات، لأن النهايات مريحة. يريد جوابًا نهائيًا لكل سؤال، وحقيقةً أبدية لكل ظاهرة، ويقينًا لا يتغير. لكنه ينسى أن الكون نفسه لا يمنح هذا الامتياز؛ فالنجوم تولد وتموت، والمجرات تتصادم، والأنواع تظهر وتنقرض، وحتى الذرات التي ظنها الإنسان يومًا غير قابلة للانقسام، كشفت له أنها عوالم كاملة من الاحتمالات.
إن أخطر أشكال الجهل ليس غياب المعرفة، بل الاعتقاد بأن المعرفة قد اكتملت. فحين يقتنع الإنسان بأنه بلغ النهاية، يكون قد أغلق الباب الذي دخلت منه كل الاكتشافات الكبرى.
وليس غريبًا بعد ذلك أن يكثر حفظ المعلومات ويقل إنتاج الأفكار. فالتعليم الذي يعلّم الإجابة أكثر مما يعلّم السؤال، لا يصنع علماء، بل يصنع أمناء أرشيف. والعقل الذي يخاف الخطأ، لن يجرؤ على الاكتشاف؛ لأن كل اكتشاف عظيم بدأ بخطأٍ بدا سخيفًا في نظر معاصريه.
لقد سخروا من كوبرنيكوس لأنه أزاح الأرض عن مركز الكون، وسخروا من داروين لأنه أزاح الإنسان عن غروره البيولوجي، وسخروا من أينشتاين لأنه أزاح الزمان والمكان عن يقينهما القديم. وليس لأنهم كانوا يكرهون هؤلاء العلماء، بل لأن الإنسان بطبيعته يدافع عن الصورة التي اعتادها، حتى لو كانت خاطئة. فالعقل لا يقاوم الحقيقة لأنها ضعيفة، بل لأنها تُلزمه بإعادة ترتيب عالمه الداخلي.
إن المجتمع لا يخشى العالم لأنه يعرف، بل لأنه يُفسد راحة الجاهلين. فكل حقيقة جديدة تقتلع عادة قديمة، وكل اكتشاف يزعزع سلطةً فكرية، وكل سؤال صادق يهدد إمبراطوريةً كاملة من الأجوبة الجاهزة.
وهنا تكمن السخرية الكبرى: فالمجتمع يحتفل كل عام بإنجازات العلماء، لكنه لا يربي أبناءه على أن يصبحوا علماء؛ يحتفل بالنتائج، ويتجاهل المنهج. يريد التفاحة، لكنه يقطع جذور الشجرة.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الإنسان استطاع أن يقيس انحناء الزمكان، وأن يلتقط موجات الجاذبية بعد رحلة استغرقت أكثر من مليار سنة ضوئية، وأن يفك شيفرة الجينوم، وأن يرسل آلات إلى أطراف النظام الشمسي؛ لكنه ما زال يعجز، في كثير من الأحيان، عن هزيمة أكثر أعدائه بدائية: التعصب، والغرور، والخوف من الاعتراف بالخطأ.
إن معركة البشرية الحقيقية لم تكن يومًا مع الطبيعة، بل مع نفسها. فالنار لم تكن أخطر من التعصب، والفيروس لم يكن أشد فتكًا من الوهم، والظلام لم يكن أقسى من عقلٍ أغلق نوافذه ثم أعلن أنه يمتلك الشمس.
وحين يُكتب تاريخ هذا العصر بعد قرون، فلن يتساءل المؤرخون عن سرعة الحواسيب ولا عن عدد الأقمار الصناعية، بل سيسألون سؤالًا واحدًا: هل امتلك الإنسان من الحكمة ما يوازي ما امتلكه من المعرفة؟
فقد يكون امتلاك الذكاء دون حكمة، أشبه بمنح طفلٍ مفاتيح مختبرٍ نووي؛ فالتقدم العلمي لا يجعل المجتمع أكثر إنسانية تلقائيًا، بل يمنحه قدرةً أكبر على تنفيذ ما تمليه أخلاقه، خيرًا كانت أم شرًا.
ولهذا، فإن الحضارة لا تبدأ بالمختبر، ولا تنتهي بالمصنع، بل تبدأ من تلك اللحظة التي يعترف فيها الإنسان، بكل شجاعة، بأن الحقيقة لا تُورث، ولا تُشترى، ولا تُصوَّت عليها، بل تُنتزع انتزاعًا من قلب الشك، ثم تبقى، إلى الأبد، مستعدةً لأن تُراجع نفسها. فذلك وحده هو الفرق بين عقلٍ يبني التاريخ، وعقلٍ لا يفعل سوى استهلاكه.
Comments